العائلة

مما لا شك فيه أن عائلتنا “أبو الحسن” بضم الحاء وسكون السين، ما تزال تحمل إسم جدها الأول “أبو الحسن” المذكور في رسالة “تقليد الأمير معضاد بن يوسف الفوارسي التنوخي” وهي إحدى الرسائل الفاطمية المعروفة برسائل الحكمة الشريفة عند بني معروف الموحدين المسلمين المعروفين خطاء بالدروز فقد خاطب مؤلف الرسالة مولانا “بهاء الدين” الأمير معضاد بقوله:

“وأما الأميران الموفقان أبو الحسن وأبو العز أبناء الخضر المسردان فثبت عندهما عني ما التحق به في الدين من العز والفخار وبشرهما بما اقتضياه بعملهما من منازل الموحدين الأطهار لترادف النعيم عليهما بكمال البصائر، وتتضاعف لديهما بمحامدك كرائم المواهب ونفائس الذخائر” وقد شرح الشيخ عبد الملك الأشرفاني في كتابه “عمدة العارفين” المشهور “بالمؤلف” هذه التوصية فقال “أن آل أبو الحسن موجودون في شحار المتن جهات كفر سلوان. زما يزال مقرهم هناك في قرى بتخنيه والقلعة والشبانية وقبيع حتى يوم الناس هذا (القرن السابع عشر) ونحن نؤيد هذه الواقعة ونضيف إليها ما حدث بعد الشيخ الأشرفاني.

من هنا يتبين لنا أنه مر على وجود جدّنا الأول في المتن نحو ألف سنة هجرية وهذا هو عمر أسرتنا بهذا التاريخ (1404 هجرية سنة 1984 ميلادية) وذلك أيضا” هو تاريخ أبناء عمنا آل “أبو العز” قد عاشت الأسرتان الشقيقتان أحداث المنطقة منذ ذلك التاريخ حتى الآنز طرأت على أسرتنا “أبو الحسن” انقسامات وهجرات مثل بقية الأسر المعروفية التي قطنت جبل حوران في سورية وعمرته وله تاريخ مشرف معروف في حقل النضال الوطني حتى صار يعرف اليوم ومنذ عام 1937 باسم جبل العرب.

ولئن كانت أسباب الهجرة عامة معروفة كالحروب الأهلية، والمضايقات الإستعمارية في عهد العثمانيين واضطهاد الحكام المحليين كما جرى بخاصة في عهد الأمير بشير الشهابي الثاني “الأمير الأحمر” الا أن أسرتنا قد حصت بذكر هجرتها في التوارخ في مناسبتين اثنتين: إحدى المناسبتين عادية وردت في تاريخ الأمير حيدر الشهابي وهي أن معارك وقعت بين آل أبو الحسن وآل الأعور وكثر القتل بينهما فحكم الأمير بشير بنفي عدد من رجال الأسرتين إلى حوران. أما المناسبة الثانية (ولعلها متممة للأولى) فقد أورد المؤرخ طنوس الشدياق في كتابه اخبار الأعيان في جبل لبنان في 493 من طبعة صادر 1859 ما يلي تلخيصا”: حين قتل الأمير حسن الشهابي المعروف بالأسلامبولي عمه الأمير حيدر ووالده الأمير حمود غادر لبنان إلى دمشق ونزل ضيفا” على أحمد أغا الموري ثم وضع في سجن القلعة بناء على ملاحقة سليمان باشا وزير عكا. وكتب سليمان باشا هذا إلى وزير دمشق بأن يرسل الأمير حسن وجماعته إلى عكا ليصير قصاصهم لكونهم رعاياه. وارسل كتاب الأمان إلى الأمير حسن فوعده وزير دمشق بارسالهم، فلما شعر الأمير حسن بذلك وخاب مسعاه أرسل خادما” له إلى السوق ليشتري له مأكلا وأسرّ إليه قائلا” “إذهب إلى حوران خفية واستدع بني أبي الحسن الدروز النازحين من المتن إلى حوران خوفا من الأمير بشير واستنهضهم على تخليصي ممن يأخذوني إلى عكا بأي وجه كان. فذهب الخادم وعمل ما أمر به. وكان الشيخ بشير جنبلاط يرسل فيشجعه سرا”. وعندما عزم الوزير “وزير دمشق” على الحج أرسل إلى الأمير حسن كتاب الأمان الذي حضر له من عكا وقال له: إنني متوجه إلى الحج فإن أردت المضي إلى عكا أرسل معك أعوانا” يوصلونك إليها أمنا” ولا خوف عليك من سليمان باشا حيث أعطاك الأمان. وإن أردت أن تبقى إلى أن أرجع من الحج فانت مخير. ولكن لا بد لك من المضي إلى عكا أخيرا”. فلما رأى انه لا مندوحة له من ذلك ارتضى بالذهاب حالا”. فارسل الوزير معه حافظا” مصحوبا” بعشرة أنفار. وقد اختلفت الطريق بينه وبين الدروز الذين أتو من حوران لتخليصه. ولم يمكنه الهرب في الطريق. فبما بلغ سليمان باشا خبر دخوله إلى عكا أمر بوضعه في قارب مع الثلاثة الأنفار الباقين معه وإرساله إلى إسلامبول عن طريق يافا. ويمكننا أن نستخلص من هذه الواقعة الثابتة تاريخيا” ما يلي:

1-    أن الهجرة الرئيسية لأبناء عائلة أبو الحسن إلى حوران وقعت في أوائل القرن التاسع عشر وقبل عام 1818 الذي وقعت فيه الحادثة المذكورة أعلاه.

2-    أنهم كانوا من القوة. بحيث توكل إليهم مهمة عسكرية ذات شأن كقطع الطريق على قوة عثمانية بين دمشق وعكا.

3-    أنهم نفذوا المهمة ولكن إختلاف الطريق جعل الأمير حسن يصل إلى عكا. ولكن وزير عكا لم يعدمه بل ارسله إلى اسلامبول مع رفاقه ومن هنا جاء لقبه الإسلامبولي.

4-    أنهم كانوا منذ ذلك التاريخ من الأسر الدرزية المعدودة التي يعتمد عليها. ودليل آخر على ذلك ما أورده يوسف خطار أبو شقرة من أن الشيخ بشير جنبلاط كما استنجد بدروز المتن حين احتدم الصراع بينه وبين الأمير الشهابي أسرعت لنجدته عائلة أبو الحسن مع بقية العائلات المتنية.

 ولا نريد أن نتوسّع في هذه الأخبار لكي نحصر البحث في وضع الأسرة الراهن. ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مؤلف كتاب “الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية” ليوسف خطار أبو شقرة الّذي نشره الأستاذ عارف أبو شقرة في بيروت 1951 ذكر في حاشية الصفحة 13 منه نقلاً عن رسالة للشيخ ناصيف اليازجي عنوانها “أحوال لبنان في عهده الإقطاعي” أنّ عائلة أبو الحسن من جمرات العيال وهو لقب يطلق على نحو اثني عشر عائلة لبنانية من طوائف مختلفة عرفت بالشجاعة وسرعة النجدة وحسن البلاء.

وما تزال الأسرة محافظة عاى مركزها المرموق بين الأسر المتينة الكريمة. شاركت في الأعمال العمرانية والإجتماعية والسياسية وبرزت في مجالات العلم والعمل المختلفة وقد توجدت أعمالها بإنشاء المركز الإجتماعي لآل أبو الحسن.

كما أسّس سنة 1856 مدرسة في بتخنيه من  أصل ست مدارس درزية في القرى اللبنانية، وأقفلت تلك المدرسة مع باقي المدارس عام 1873 بأمر من الأمير بشير قاسم الشهابي مدفوعاً من البطريرك الماروني لأهداف معروفة. وقد قال مطران بيروت في حينه إلى نعمان بن جنبلاط. انتظر فسوف يطرد الموارنة الدروز جميعاً من لبنان: “نقلاً عن تشارلز تشرشل” في كتابه “الدروز والموارنة”.  وقد عثرنا في أوراق قديمة محفوظة في بتخنيه على صورة بيورولدي “مرسوم” صادر عن ديوان متصرفية لبنان بتاريخ 21 أيلول 1324 عثماني مالي يتضمن تنصيب الشيخ جابر محمود أبي الحسن شيخ صلح لقرية بتخنيه ليقوم بمنصب وظيفة حاكم الصلح مع مأمورية المشيخة أيضاً وفيه إشارة إلى أنّ أهالي القرية قد انتخبوه والمتصرفية أقرت الإنتخاب وأصدرت صك التعيين هذا.

كما تمّ العثور على قصيدة جيدة برثاء المرحوم الشيخ رافع بدر الدين أبو الحسن من القلعة المتوفي سنة 1123 هجرية في قرية ولا يزال ضريحه مزاراً وفي القصيدة إشارة إلى المأثرة المنقولة عن الشيخ المذكور والّتي قالها أنّ القائد التركي “النصوح” أحرق قرى التن باستثناء القلعة الّتي حجبتها غمامة فلم يرها الغزاة. ومن هنا جاء المثل “فلان بيته بالقلعة” أي محظوظ. ونسيت حادثة الغمامة إلى كرامات الشيخ رافع بدر الدين المشار إليه.

والوضع الراهن للأسرة في حوران يتلخص في أن أبناء الأسرة ما زالوا حتى اليوم في السويداء، وعرمان شهبا وقيصما وديبين وغيرها. بعضهم حافظ على الإسم الأساسي (أبو الحسن) وبعضهم حمل لقب المتني نسبة إلى المتن الّذي هاجروا منه، وبعضهم حمل لقب الصغير أو الزغير وهو لقب أطلق في حاصبيا (طريق الهجرة) على جدهم محمد أبو الحسن الّذي كان قصير القامة في عائلة كلّ رجالها طوال القامة ولذلك ظلّ نسله يحمل هذا “اللّقب” وهم بخلاف هذا اللقب مشهورون بطول القامة وقوة البنية وكان لمحمد هذا أخ اسمه حسان فحمل نسله اسمه وصارت هناك عائلة حسّان ومنها أحد مشائخ “البياضة” المشهورين المرحوم الشيخ أبو علي مهنا حسان ومع أنّ هذه الأسماء الفرعية هي في الأصل للإستعمال داخل العائلة للتمييز بين عدّة أشخاص يحملون إسماً واحداً إلا أنّها استمرت بالإستعمال خارج العائلة وغلبت على الإسم الأساسي دون أن تفقد الرابطة بين هذه الفروع المختلفة.

المهم أنّ الأسرة لم تكن خاملة الذكر في المناسبات القومية والوطنية الكبرى لا في مقرها الأصلي لبنان ولا في مقرها المتحدث (جبل العرب) وكان لها حضور بارز في الحياة الإجتماعية والسياسية منذ الحركة العامية حتى الآن.

ولعلّه من المناسب أن نشير إلى تجديد التعارف والتزاور بين فرعي الأسرة الأساسيين أبو الحسن وأبو العز (آل أبو العز في ميمس والكفير جهات حاصبيا البقاع الغربي) ومنهم عدد في (جبل العرب) مع ملاحظة أنّ كلّ الأسر المهاجرة من لبنان تتبادل الصداقة والعلاقات الحسنة، وإن تكن المواطنية فوق كلّ اعتبار وفوق كلّ علاقة، ومع توسّع الوعي تتوسّع دائرة العلاقات.

.